محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
191
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
تنتفع به نفس المنافق من عصمة النفس والمال ، ويبصر بنوره رشده وهدايته ، وكان الإسلام ممّا يطلب به الغرضان ؛ فلمّا أضاءت ما حوله بقدرها ذهب اللّه بنورهم . مثّل ضياء إسلام المنافق بضياء تلك النار على قدر تسليمه وطاعته ، ومثّل إعراضهم عن ذلك في السرّ عند الشياطين الذين خلوا إليهم بانطفاء النار ( 80 ب ) وذهاب نورها ، ومثّل ظلمات الكفر الباطن بتلك الظلمات ؛ ومن بقي في الظلمات كيف يبصر الطريق ؟ ! بل يصير كالأصمّ الذي لا يسمع ، والأبكم الذي لا ينطق ، والأعمى الذي لا يبصر ، فهم لا يرجعون ، وهذا إن حملته على المثل ثمّ تقلبه إلى المثل فهو صحيح ؛ وإن حملته ابتداء على الممثّل فهو أيضا صحيح ، وهو عبارة عن اليأس منهم إذ صاروا صمّا عن الحقّ ، وبكما في الحقّ ، وعميا عن الحق . فهم لا يرجعون إلى الهدى ودين الحقّ ؛ وهذا الحكم عليهم حكم المفروغ كما ذكرنا في حقّ الذين خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وبالحكم المفروغ لا يرتفع حكم المستأنف ؛ فيبقى التكليف عليهم ما داموا أحياء في هذا العالم ؛ وهذا التقدير فيهم ما دامت السماوات والأرض في ذلك العالم . وسرّ آخر : في الأمثال المضروبة في القرآن أنّها لأمرين : أحدهما بيان حال الممثّل وإيضاح البرهان بالمثال ، والثاني بيان مآل حال الممثّل بالمثال كما في هذا المثل ؛ فإنّه كما يبيّن بهذا المثال حالهم في النفاق للحال ، كذلك يبيّن به حالهم في المآل أنّه يضيء لهم يوم القيامة على الصراط نور ثمّ ينطفئ عنهم كما قال اللّه تعالى : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ؛ وليس لهم رجعة ؛ فبقوا على الصراط صمّا بكما عميا فهم لا يرجعون ؛ والظاهر أنّ المثل في المنافقين الذين سبق ذكرهم حتّى ينتظم الكلام بما سبق ؛ فيكون قوله : « مثلهم » راجعا إليهم ؛ ومن قال : « إنّه في غيرهم من اليهود والمشركين » فقد بتر نظام الكلام ، والنقل غير صحيح . وسرّ آخر : في المثل أنّه تعالى قال : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ولم يقل كالذي استوقد ؛ وكذلك جميع الأمثال في القرآن ، قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ ولم يقل كالحمار ؛ والسرّ في ذلك أنّ الموجودات المتباينة